حين تأملتُ ما كتبه أستاذنا فهد عامر الأحمدي حول "الشهرة المؤقتة" وتلاشي الحدود بين البشر للوصول إلى ثقافة عالمية واحدة، وجدتُ نفسي أقف أمام تساؤل عميق يمسّ جوهر كل مبدع وفنان وكاتب في عصرنا الحالي: هل نحن هنا لنكون مجرد أصوات عابرة في زحام الترندات، أم لنترك أثراً حقيقياً يخلّده الزمن؟
لقد صدق أندي وارهول حين قال إن الجميع سيحظون بـ "15 دقيقة من الشهرة". واليوم، نرى كيف تصنع الخوارزميات نجماً في لحظة خاطفة، لتلقي به في غياهب النسيان في اللحظة التي تليها. أصبحت الشهرة مجاناً، لكن القيمة أضحت أثمن من أي وقت مضى. أتعجب دائماً كيف يمكن لخوارزمية عابرة أن تمنح مقطعاً ساخراً لمحة ضوء تفوق ما يناله كتاب أمضى صاحبه سنوات من عمره يسكب فيه روحه وفكره وفنه.
ولكن، هل الشهرة السريعة هي الخلاص حقاً؟
العودة إلى الذات في عالمٍ متشابه
في مقاله المثير، ينبئنا الأحمدي بعالمٍ تتلاشى فيه الفوارق، حيث تذوب الثقافات واللغات والملامح لنتحول جميعاً إلى نسخة واحدة مكررة تحت مظلة شاشة صغيرة. وهذا تحديداً ما يجعل وظيفة الفن والكتابة والإبداع اليوم أكثر مصيرية من أي وقت مضى.
حين تتشابه الأشكال واللغات، لا يتبقى للإنسان سوى "بصمة الروح".
إن المحتوى الذي يخرج من القلب، والرواية التي تُكتب بصدق، واللوحة التي تُرسَم بشغف، والكلمة التي تُكتب بمهل ويقين، هي أسلحتنا الوحيدة ضد الذوبان. نحن لا نكتب لنكون "ترنداً" لعدة دقائق، بل نكتب لأن في أعماقنا حكايات ترفض أن تموت، ولأننا نؤمن أن الكلمة الصادقة كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
السعي نحو الأثر لا النشر
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في الوصول إلى أكبر عدد من العيون، بل في الوصول إلى أعمق نقطة في القلوب.
قد تحظى بمليون مشاهدة لشيء عابر، لكنك لن تعيش في ذاكرة أحد. وفي المقابل، قد تقرأ لك روح واحدة كتاباً في لحظة انكسار، فتجد فيه طوق نجاة، ليعيش حرفك في وجدانها إلى الأبد. هذا هو الخلود الحقيقي الذي ينبغي أن يسعى إليه كل من يملك ريشة أو قلماً أو فكرة.
إن السحر الذي يخبئه الإبداع لا يكمن في السرعة، بل في "الطهو على نار هادئة". في فنجان قهوة نرتشفه بروقان، وفي فكرة نمنحها وقتها لتنضج، وفي قطعة فنية أو نص أدبي ننسجه بمهل وكأننا ننسج جزءاً من أرواحنا.
كلمة أخيرة لكل روح مبدعة
يا صديقي الذي يقرأ هذا النص: لا تستعجل التصفيق، ولا تحزن إن توقفت الأضواء عند من لا يستحقها مؤقتاً. فالفقاعات مهما علت في الهواء، مصيرها الانفجار والزوال، أما الجواهر فتبقى مدفونة في عمق الأرض حتى يكتشفها العالم فيُذهل ببريقها.
دعنا نستمر في الرسم، وفي الكتابة، وفي صناعة الفن بصدق. دعنا نكتب للأرواح لا للخوارزميات، وللتاريخ لا للثواني المعدودة. فالعالم قد يتوحد في شكله ولغته، لكنه سيظل دائماً عطشاً لتلك النبرة الفريدة التي لا تشبه أحداً سواك.
ما رأيك؟ هل تعتقد أن الشهرة السريعة قد تخدم المبدع الحقيقي أم أنها تلتهم أصالته؟ أعدك بأنني سأقرأ كل كلمة في التعليقات بشغف.
